Search

maha al aswad

Tag

مصر

اعتصام الألتراس: النساء تحت الوصاية دائما وأبدا

العنصرية ضد النساء ليست فقط  في قوانين وممارسات الدولة- فهي في الأصل مترسخة في العلاقات الإجتماعية بين الأفراد. على مدى  التاريخ خُلقت موازين قوى بين النوعين، وانتقل ذلك من المجتمعات البدائية حتى ظهور الدولة الحديثة.

قد تجد الكثيرين يعترفون بالتمييز المؤسسي ضد المرأة متمثلا في القوانين مثلا، ولكن من الصعب أن تجد من يعترفون أن هناك تمييزا مجتمعيا ضد النساء، بداية من أبسط التعاملات اليومية – رغم أن الإثنين لا يمكن النظر إليهما بمعزل عن الآخر.  من الصعب أن يعترف الرجال أنهم ينظرون للنساء ليس باعتبارهن أندادا، بل كائنات بشكل ما أقل، تستحق أن تُمارس عليها السلطة سواء من الكائنات الأقوى: الرجال، أو من النسق القيمي الذي شكلته علاقة القوى غير المتوازنة تلك، مثل العادات والتقاليد والتفسيرات الذكورية للأديان وغيرها، لأن ذلك وببساطة ينافي الصورة المُتخيلة للرجل المتفتح، المثقف.

ولذلك قد يمتليء الفضاء العام بالعديدين ممن يدافعون عن “حقوق النساء” والتي اختُزلت إلى مجموعة من القوانين والإتفاقيات الدولية، دون النظر بعين الإعتبار إلى العلاقات الإجتماعية اليومية والتي تراكمت على مر السنوات لتخلق ميزان قوى لا يهتز، يُكرس لتبعية نوع بشري لآخر.

  ولأن ميزان القوى هذا خلق نسقا قيميا تغلغل في كل نواحي الحياة وتحول إلى أمر اعتيادي، بالكاد نلحظه، أصبح من الصعب تحديه والعودة لأصل الشياء، عندما ولد البشر جميعا أحرارا، ليس لأحد سلطة على أحد.

وبالتالي، عندما تظهر العنصرية ضد النساء مجتمعيا على السطح بهذا الشكل الفاضح- متمثلة في نظرة الألتراس للنساء-  تكون فرصة عظيمة لمحاربتها، والإعتراف أنها موجودة وأنه لا يمكن القبول بها.  فرصة لتبني خطاب أن النساء لسن مواطنات من الدرجة الثانية، لسن كائنات بشرية من الدرجة الثانية، وليس للرجال وصاية على النساء في أي سياق كان..

العودة لأصل الأشياء- الحرية والمساواة- يتطلب من الرجال أن يكونوا من المؤمنين بها، وعلى دراية بعنصريتهم، ولكن قبل ذلك يتطلب من النساء أن يكن على قدر من الوعي بأهمية الوقوف في مواجهة تلك العنصرية. أعتقد أن التعامل مع كل ذلك الإقصاء البيّن من الفضاء العام بسعة صدر يجب أن يتوقف. كل النساء اللائي شاركن ويشاركن في الثورة حتى الآن شاركن بصفتهن مصريات أولا وأخيرا، وليس بصفتهن نساء. وانتظرن أن يتعامل معهم الرجال بهذه الطريقة أيضا، ولكن للأسف لم يحدث في كثير من الأحيان. لم يكن شيئا مثيرا للدهشة بقدر ما كان مثيرا للإمتعاض.

لم يرفض الألتراس فقط اعتصام النساء،  بل حددوا موعدا يوميا لرحيلهن، ومنعوا تدخين النساء خلال التواجد في الإعتصام، ولم يكتفوا بذلك، بل أنفقوا مبلغا لا بأس به على طباعة لوحة هائلة صاغوا فيها تلك “القواعد” بعربية ركيكة وقاموا بتعليقها على مدخل الإعتصام، ليراها الجميع! ليس فقط الثائرات والناشطات، بل كل من يمر بجوار الإعتصام ويتساءل عن أهدافه وما إلى ذلك. وكلنا يعلم أن من أهداف أي اعتصام ليس فقط الضغط على السلطة الحاكمة، بل نشر المعلومات عن أهداف ومطالب الإعتصام ومحاولة كسب تأييد المجتمع. وبالتالي ساعد الألتراس المجتمع على إبراز الإزداجية الكامنة في أحشائه، وفي نفس الوقت ساعدوا على استمرار النظرة التقليدية للنساء والنسق القيمي الذي يحميها في أعين الجميع،  ولسان حالهم يقول: ندافع عن الحريات والحقوق طالما نحن نحدد ضمونها.

دعم إعتصام الألتراس بدون وقفة قوية ضد عنصريتهم ليس مفهوما على الإطلاق- على الأقل بالنسبة لي. المشهد في ذهني يوازي مشهد لسيدة يتم الإعتداء عليها وهي تضحك وتنظر للمعتدي تطلب منه المزيد. في الحقيقة نظرة الألتراس للنساء- للأسف الشديد-  تماثل نظرة العسكر والإسلاميين المهينة لهن لا فارق. العسكر الذين قاموا بكشوف العذرية على الثائرات لم يروا فيهن إلا أجسادا، ونواب البرلمان الذين يريدون تعديل قانون الأحوال الشخصية لا يرون في الزواج سوى عقد لتقنين الرقيق، والزوجة ما هي إلى جارية تحت وصاية سيدها. من اختاروا أربع نساء من أصل مائة عضو في جمعية تأسيسية لدستور الوطن لا يرون في النساء إلا أجسادا أيضا لا دور لهن في المجال العام وهم تحت الوصاية دائما وأبدا في المجالين العام والخاص.  ما فعله الألتراس هو نفس مفهوم الوصاية والرقابة وتحديد نوع إنساني لآخر كيف يعيش حياته. سعيٌ متواصل للإستحواذ على المجالين العام والخاص، وفرض السيطرة على النساء وتحديد شروط الكرامة ومعايير الأخلاق لمنح صكوك الغفران.

كنت سأتقبل أن يعلن الألتراس أن الإعتصام مغلق فقط على أعضائه، وبما أن أعضائه من الذكور، من الطبيعي ألا تنضم نساء إلى الإعتصام هذا بالذات. لكن في الحقيقة  وجدتُ أن اعتصام الذكور ممن لا ينتمون للألتراس هو أمر مقبول لديهم، وبالتالي المشكلة هي مع النساء بشكل عام.  كنت أتابع النقاش الدائر حول مشاركة مجموعات ثورية وحقوقية للألتراس في  اعتصامهم، نظرا لأنه من أجل قضية تهم الجميع، بل هي في صلب مطالب الثورة. لكن لأن أغلب عضوية تلك الحركات من النساء، لم تشارك في الإعتصام، وإن كانت لم تتوقف عن تقديم الدعم المعنوي والإعاشة وما إلى ذلك. بل أكثر من ذلك، طالعتني منذ يومين دعوة لتنظيم مسيرة نسائية لـ”دعم الألتراس” ولم أستطع التصديق! بحثت في وصف الدعوة عن أي إشارة لتصريحات الألتراس العنصرية تجاه النساء فلم أجد. ربما رأت المنظمات لهذه المسيرة أنهن بذلك سيُحرجن الألتراس وستكون بمثابة دعوة لهم لمراجعة النفس- لا أدري.

الكثيرات من الناشطات تعاملن مع الموضوع من منظور إثبات من الأفضل، أو إثبات من يؤمن بالحريات أكثر، أو ربما من أجل قدسية هدف الإعتصام، وأن العدو الآن هو السلطة العسكرية التي تقمع الجميع وأن التاريخ والمجتمع سيذكرون حتما دور النساء في النضال الثوري، وما إلى ذلك.

لكن قضية شهداء بورسعيد هي قضية وطن وقضية ثورة في المقام الأول والأخير، ليست قضية الألتراس وحدهم، وقطعا ليست قضية الرجال دون النساء. وترك الحكم للتاريخ ليس مسألة مضمونة العواقب، وترك الحكم للمجتمع في وجود ميزان القوى غير العادل هو أيضا مسألة غير مضمونة العواقب. ما أريد أن اقوله هو أن الدفاع عن الحريات والحقوق يجب أن يكون من الجميع ومن أجل الجميع، والمباديء لا تتجزأ. ولكن إذا كان القهر الواقع على الجميع سيكون مضاعفا في حالة النساء- مواجهة قهر سلطة الدولة وسلطة المجتمع- بل ورفاق النضال!-  فلا بد من وقفة، وأن يكون الخطاب واضحا وقويا في هذا الشأن.

ارفعوا أياديكم عن النساء

إرفعوا أياديكم عن النساء[i]

عندما انطلقت شرارة الثورة في مصر  أخذ أصدقائي و صديقاتي من المهتمين والمهتمات بحقوق الإنسان والعدالة بشكل عام في الخارج يعربون صراحة عن قلقهم مما ستنتهي إليه الأمور، ومن أنه في معظم الثورات في العالم الحديث كانت النساء دوما في الجانب الخاسر، وتمر الثورة في التاريخ كسرد ذكوري وعمل بطولي قام به الرجال وحدهم، وتأتي تلك اللحظة الحتمية التي يجلسون فيها يتمنعون، يتعالون، ويقررون أي الحقوق التي يمكن أن تحصل عليها النساء وأيها لا. كنت ورفيقاتي المصريات نتغاضى عن تعليقاتهم القلقة، كنا جميعا مندمجات في زخم الشوارع والميادين، أبدا لم نشعر ولو للحظة باختلاف الأدوار بيننا كثائرات وبين إخواننا الثوار، الهم واحد، الوسيلة واحدة والهدف واحد.

كان الأصدقاء والصديقات في الخارج على حق، ولكن ليس لأن الثورة نفسها تولت الحكم وقامت بالتمييز ضد النساء. بل لأن من حكم بعد الثورة نوعان من أقوى أنواع الفاشية التي عرفها العالم: الفاشية العسكرية والدينية. لم تحكم الثورة وحكم من لا يدرون شيئا عن مبادئها، وبالتالي فإن ما يحدث وببساطة هو إعادة إنتاج للنظام القديم. تولى العسكر الحكم يوم رحيل المخلوع، وظهرت بوادر التمييز في النص الأوّلي المقترح للمادة المتعلقة بشروط الترشح لرئاسة الجمهورية، حيث جاء دالا على أن الرجال وحدهم قادرين على الترشح، ورغم إصلاحها لاحقا إلا أنها عكست المزاج العام المسيطر تجاه دور المرأة في المجال العام في مصر الجديدة. ثم  وقعت فضيحة كشوف العذرية، وهي ما يمكن تسميتها بمحاكم التفتيش الذكورية، في محاولة لترسيخ الصورة التاريخية لقهر النساء: النساء ما هن إلا أجساد، وكرامتهن في المجتمع مستمدة من بضعة سنتيمترات في أعضائهن التناسلية، بعدها تصدر لهن صكوك الغفران أو قرارات الحكم بالإعدام.

وجاءت الإنتخابات كبديل حتمي لعدم قدرة الثوار على تنظيم أنفسهم وتقديم بديل قوي يقف في مواجهة العسكرلإدارة المرحلة الإنتقالية، ورفضت المشاركة فيها أغلب فئات الطليعة الثورية، ومن شارك فيها من الجبهة الثورية غير مشكوك في وطنيتهم وإيمانهم بمباديء الثورة وأهمها المساواة أمام القانون لكل فئات المصريين. ولكن للأسف، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ولم تحظى الثورة بتمثيل قوي في مجلس الشعب، وجاءت الأغلبية من الإسلاميين، والأغلبية من غير الإسلاميين التي نجحت في الوصول لمقاعد البرلمان لا تمثل بالضرورة وجهة النظر الثورية. وبالتالي المنطق يقول ان الإتجاه الغالب للنقاشات التي تجري فيه والقرارات والقوانين التي تصدر وستصدر عنه ستغيب عنها مباديء نادت بها الثورة.

وظهرت البوادر.

 وقف النائب المحترم محمد العمدة عضو مجلس الشعب والذي لا ينتمي -وياللمفاجأة- للتيار الإسلامي، حيث كان عضوا في الوفد ولكنه فضل الترشح مستقلا، وقف في ساحة المجلس، يتحدث باسم الشعب- وليس فقط باسم ناخبي دائرته في أسوان والذين اصطفوا لإنتخابه رجالا ونساء على السواء- ليطالب بإلغاء المادة 20، المعروفة باسم مادة الخلع، من القانون رقم 1 لسنة 2000 الخاص بتنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية.

جاء على لسان العمدة حسب جريدة الشروق يوم السبت 17 مارس ، أن مادة الخلع “تمكن المرأة من التخلص من الحياة الزوجية بإرادة منفردة دون رقيب ودون أدنى اعتبار لحقوق الأسرة والمجتمع“، وفي حقيقة الأمرأصابتني هذه الجملة تحديدا بهيستيريا من الضحك، على أساس أن شر البلية ما يضحك، فعلى مدار السنوات قبل سنة 2000 ، كان الزوج هو الوحيد الذي له حق “التخلص من الحياة الزوجية بإرادة منفردة دون رقيب ودون أدنى اعتبار لحقوق الأسرة والمجتمع” عن طريق كلمتين فقط “أنت طالق”، ينطق بهما متى يشاء وأين يشاء ولأي سبب يريده.  ولم يتساءل أحد طيلة هذه العقود عن سبب تمتع الأزواج وحدهم بهذا الحق، ولا حتى النساء أنفسهن الذين تغص بهن صالات وأروقة محاكم الأسرة في محاولة للحصول على حقوقهن وفي كثير من الأحيان حقوق أبنائهن المسلوبة. كان متوسط الزمن الذي تستغرقه قضايا الطلاق في المحاكم من 3- 8 سنوات مع صعوبة كبيرة في إثبات الأضرار التي وقعت على الزوجة من الزوج ودعتها لطلب الطلاق، حيث أن أغلب الإعتداءات تحدث داخل جدران المنزل المغلقة حيث لا سميع ولا رقيب في أغلب الأحيان يشهد مع الزوجة. وجاءت مادة الخلع بمثابة طريق الخلاص من كل القهر المستدام.
إن مجرد اقتراح هذا القانون هو انتقاص خطير للغاية من مواطنة النساء في مصر، ومحاولة للتعامل معهن وكأنهن مواطنات درجة ثانية. في جزء لاحق من تصريحات العمدة التي أوردتها الشروق : ” ماذا لو أن زوجة رفعت دعوى خلع بحجة أنها كارهة وتخشى عدم إقامة حدود الله وهى فى الحقيقة تريد أن تتخلص من زوجها لأنه يرفض السماح لها بالسفر إلى الخارج” ، والسؤال هنا، ولماذا يسمح القانون أصلا للزوج بالتحكم في الزوجة لهذه الدرجة؟ أليس الزواج في فكرته الأساسية هو شراكة متبادلة بين الزوجين يعينان بعضهما على الحياة بالمعروف والتراضي؟ أم أنه تحول إلى عقد شراء جارية يتحكم فيها سيدها ويلزمها بالبقاء معه رغما عن إرادتها؟ في اللحظة التي يلجأ الزوج إلى القانون ليمنع زوجته من السفر أو ليمارس عليها أي نوع من أنواع الإجبار والوصاية تنتفي صفة الشراكة والتراضي وتصبح الحياة مستحيلة، والأولى بهما أن ينفصلا بكرامة.

يقول العمدة: “ماذا لو أن زوجه قررت أن تضرب عرض الحائط بزوجها وأولادها لأن رجلا ثريا غرر بها”!!! وأتوقف هنا كثيرا عند كلمة “غرر”. نفس العقلية الحجرية التي تنظر للمرأة باعتبارها كائنا يحتاج إلى وصاية ورقابة دائمة حتى بعد بلوغها سن الرشد، فتنتقل الوصاية إلى الزوج بعد الأهل، باعتبارها كائنا غريرا لا يفقه أين مصلحته ويحتاج لمن يقررها عنه، بل في حقيقة الأمر كائن معدوم الضمير يسهل شرائه بأموال رجل ثري. ببساطة إذا قررت الزوجة إنهاء الزواج لأي سبب تراه، وقررت استحالة العشرة مع الزوج، فإن لجوئه للقانون لإجبارها على ذلك هو أكبر مثال لإنحطاط الكرامة ونمو النزعة السادية لدى الزوج. الزوج الذي لديه الحق- طبقا للقانون المصري- في أن يتزوج أكثر من مرة، وأن ينهي الزواج متى يريد.

 ربما يعذر العمدة في ذلك فبناء على كلامه فهو قد اشترى زوجة بموجب عقد زواج وبالتالي الشيء المشترى يمكن إعادة شرائه وبيعه!-  ياللمأساة! يقف العمدة في ساحة مجلس الشعب يغازل الإسلاميين من ممثلي الشعب بخطابه- ليعلن وصاية الرجال على النساء عام 2012، بعد ثورة عزة وكرامة. ولا عجب. ففي خبر آخر نجد سيادة النائب يحاول جمع توقيعات من زملائه لمساندة ترشيحه لرئاسة الجمهورية، ويوجه الشكر لقيادات حزب النور السلفي لإعطاء أعضائه حرية مناصرة من يريدون في انتخابات الرئاسة.

 برغم نشوء الدولة الحديثة، دولة القانون والتي تتعامل مع المواطنين والمواطنات جميعا داخل الدولة على قدم المساواة دون أن يكون لأحد وصاية على أحد ودون أن يكون هناك درجات لمن يمكنه أن يحصل على كافة حقوقه وأيها يحصل على بعض تلك الحقوق وأيها لا يحصل إلا على الفتات، يأبى الكثيرين إلا أن يتملصوا منها ومن محاولات بنائها في مصر بعد ثورة عزة وكرامة، ويعيدونا إلى عصور ظلامية ذهبت دون رجعة.

بعد الطوفان

  في مجلس سمر حول نار متقدة، الجميع يتطلعون إليّ ينتظرون أن أحكي حكاية  السيارة التريلا التي كانت مثار حديث أهالي المحروسة في زمن بعيد.. التريلا التي تحولت إلى أسطورة.  تطالعني نظرات الصغار المشبعة بالفضول والإثارة. أحكي كيف ظهرت فجأة في الصباح الباكر من أحد شواع عابدين الضيقة التي تكفي بالكاد لمرور سيارة صغيرة، كيف أفسح لها الباعة الجائلون الطريق دون نقاش ودون أن يُطلب منهم ذلك، كيف أغلق الجميع محلاتهم ودكاكينيهم الصغيرة ليتبعوها في صمت كالمسحورين. كيف فجأة توقفَت ليتوقفوا جميعا، وتحلّق العديدون منهم حولها في محاولة لكشف غموض السائق، لكن الزجاج كانت تحوطه هالة قرمزية مهيبة، تشعرك بطهارة ليست من هذا العالم. لم يستمر التوقّف طويلا، ارتفع صوت المحرك مرة أخرى فأفسحوا لها الطريق. ارتفع صوت المحرّك أكثر وأكثر وانطلقت التريلا لتقطع شارع نوبار بسرعة فائقة وسط ذهول الجميع، الكل ينتظر أن تتوقف مرة أخرى قبل الإصطدام..

لكنها لم تتوقف.

زحف منهم إلى مداخل العمارات القريبة من زحف، وتسلق  أعمدة الإنارة من تسلّق، وأخفى وجهه من أخفى، في انتظار صوت الإرتطام الرهيب. لكن – وياللروعة- لم يكن هناك أي صوت يذكر حتى أنهم شعروا أن الأحجار تساقطت من تلقاء نفسها خوفا ورعبا من المجهول ذي الهالة القرمزية.

على بعد 500 متر من الجهة المقابلة للحائط توقفت التريلا مرة أخرى، واستدارت  ربع استدارة، وكأنها في هذه اللحظة تحولت إلى كائن بشري يلتفت وراءه ليلقي نظرة طويلة على الأحجار وعلى الجموع.

وكأن تلك كانت الإشارة التي ينتظرها  الجميع. في أقل من ثانية اندفعوا دونما اتفاق، يقسمون أنفسهم لفرق تزيح الأحجار عن الطريق،وأخرى تتبادل توصيلها  لفريق تسلق التريلا ليستقبل الأحجار ويضعها فيها. لم يستمر العمل كثيرا. فقد اكتشف الجميع مدى خفة الأحجار وضآلتها.

حقيقة ما حدث بعد ذلك لم يتفق عليها إثنان. سمعنا بعد ذلك عن استكمال التريلا لهدم باقي الحوائط الحجرية في شوارع قصر العيني والشيخ ريحان بنفس الطريقة. البعض يُقسمون على رؤيتهم لرتب كبيرة في الجيش والشرطة يهرولون مرتعبين في الشوارع المؤدية لوزارة الداخلية للإحتماء بها، بعد أن ظنوا أن التريلا تستهدفهم.  أخرون يؤكدون استهدافها لسور وزارة الداخلية نفسه وبوابتها الحديدية الضخمة، ويصفون مشاهد ملحمية عن كيفية تقدمها ومن فوقها وحولها الجموع يهدمون المبنى والأسوار بداخله حجرا حجرا، ترتد عنهم الرصاصات والقنابل فلا تصيبهم بسوء. يجمعون كل الأحجار التي تتساقط في صندوق السيارة الضخمة، الذي كان كلما يمتليء، تتسع فيه مساحة سحرية للمزيد والمزيد.

كما سمعنا عن شهادات متفرقة من أحياء بعيدة عن وسط البلد، بل من محافظات أخرى تدعي رؤيتها للتريلا بعد ذلك تواصل هدم كل المباني التي لطالما عانى منها المصريون،  وتكاثرت الشهادات حتى سمعنا عن تواجدها في مكانين وأحيانا ثلاثة أماكن في نفس الوقت.

لم يتأكد أحد- هكذا أخبرت الأطفال المحتشدين من حولي- من عدد المباني والأسوار التي هدمت في تلك الفترة، ولا من صحة كل الشهادات والحكايا، ولكن المؤكد يا أبنائي أننا  ذات صباح سمعنا في الأخبار عن ذلك السور الضخم الذي استيقظ أهالي العباسية ليجدونه محيطا بمبنى وزارة الدفاع -وهي أيضا مقر المجلس العسكري الحاكم في ذلك الوقت- من جميع الجهات، سور حجري محكم البناء، لايقل ارتفاعه عن مئات الأمتار. السور ليس به منفذ أو حتى ثقب واحد، التف أهالي المحروسة حول السور ليكتشفوا أن الأحجار المستخدمة في بنائه ليست بغريبة عليهم. فقد حمل كل منهم حجرا منها في يوم من الأيام السابقة بمساعدة التريلا وسائقها المجهول ذي الهالة القرمزية.  بُني السور من كل أحجار الأسوار التي هُدمت في أنحاء البلاد.

لم يمضي كثير من الوقت قبل أن يكتشف المصريون أن من يحكمونهم يقبعون بالداخل دون أدنى أمل في النجاة. ليس فقط لأن السور غير قابل للهدم، ولكن أيضا لأن المصريين لم تكن لديهم النية ولا الرغبة في هدمه.

وها هي يا أعزائي قصة برج العباسية الشهير الذي لا يزال موجودا حتى يومنا هذا، وحكاية النصب التذكاري الضخم للسيارة التريلا أمامه تحوطها الجماهير.  يقولون أنكم إذا مررتم من هناك في الصباح الباكر، وذكرتم أي اسم من أسماء شهداء ثورة يناير المجيدة- التي استمرت سنوات عديدة-  ستجدون الهالة القرمزية الحجرية التي تكلل النصب التذكاري وقد ازدادت بريقا وتوهجا، وإذا دققتم النظر ستجدون شفاها تبتسم.

  ابتسمتُ مع نهاية القصة، ورحتُ ارتشف القهوة من فنجان صغير، وقد مرت بذهني كل تفاصيل زمن جميل مضى، كنت أحسبه وقتها زمنا بالغ القسوة وأنه لن ينتهي ويذهب بلا رجعة.

الزمن دا بتاعنا.

صديقي جون.. مخرج وفنان.

في يوم كنت وصلت فيه للحضيض: إكتئاب وفقدان الرغبة في الحياة.. عدم القدرة على الأمل، والأسوأ: موت القدرة على الدهشة، قابلته. وقاللي الكلمتين دول.

 

من ساعتها مش ببطل أسمعهم كل ما الحالة تيجي.. لأن بعدها بحس إن الزمن دا بتاعنا. مش بتاعهم.

وإننا هننتصر.

 

 

Blog at WordPress.com.

Up ↑