Search

maha al aswad

Category

commentary

عزيزي الشيخ بدر: هل تشعر بالتوحد أو التضخيم أو الإثنين معا؟

مدد من السماء

اليوم وبينما أتصفح الأخبار من مصرنا الحبيبة، طالعتني طلعة الأستاذ الشيخ بدر البهية في أحد المواقع الإخبارية  في أوضاع عديدة:  مرة بالجانب، مرة ووجهه الكريم يملأ الإطار، مرة ذراعه في الجلباب الطاهر هي بطل الصورة، ومرة ذقنه.  مرة ناظرا إلى الأعلى يستلهم العون والمدد من السماء، وأخرى ناظرا إلى الأسفل ليحيي الحشود والأتباع بتواضعه المعروف. واخترت لكم منها الصورة بالأعلى.

طوال الوقت  – الذي استغرقه الماوس للنزول والصعود في الصفحة- خطرت ببالي بعض الأفكار التي ليس لها علاقة مباشرة بالموضوع أو ربما لها علاقة مباشرة، شغلي مخك عزيزتي/ي القارئة، فقد استيقظت صباحا على اكتشاف نفاذ القهوة من مطبخي السعيد، واكتشافات أخرى مرتبطة، منها أن الأمطار غزيرة في الخارج، وأن أقرب سوبر ماركت على بعد 20 دقيقة سيرا على الأقدام. وهكذا، آخر ما أود فعله الآن هو أن أقوم بالمجهود وأتوصل بإلإنابة عنكم لإستنتاجات منطقية.

هل الوقت مناسب للدعوة لفكرة التصنيف Rating

 في مصر كبديل عن الرقابة بالحذف والمنع؟

..يعني مثلا ماذا سيكون رأي الأستاذ الشيخ المحترم عبدالله بدر  في الموضوع

 ،وأنتم تعلمون أن رأي الشيخ بدر وأمثاله في غاية الأهمية في ظل هذه الأيام الغبراء التي نعيشها

ولا أقصد أيام مصر الغبراء – عاشت مصر حرة مستقلة، مدنية  يحكمها مدني- بل أقصد أيامي هنا في ظل هذه الزحاليق ..بالخارج

 فكرة التصنيف سهلة وبسيطة للغاية وحتما تم طرحها في مصر مرارا وتكرارا. لا أخترع الذرة هنا ولا جبت الذئب من ذيله اللعين.  أي محتوى ، فيلم، مسلسل، برنامج، إلخ، يتم تصنيفه طبقا لمستوى الألفاظ المستخدمة فيه والمشاهد ذات الطبيعة الجنسية، أو المشاهد ذات الطبيعة العنيفة، مثل القتل والدماء، الرعب، وما إلى ذلك.  وفي حالة عرض الفيلم أو المسرحية  في دور العرض أو المسارح، يكون تصنيف المحتوى واضحا على الملصقات والإعلانات.  وبذلك يختار المشاهدون ما يريدون أن يشاهدونه بقناعاتهم التامة واختياراتهم الخالصة.  لأنهم – طال عمركم- يتمتعون بالقدرة الذهنية التي تؤهلهم من الحكم على الأمور.

أما في حالة العرض على شاشة التليفزيون، فيكون هناك تنبيه مكتوب ومسموع قبل عرض المحتوى عن تصنيفه، وعن ما إذا كان ملائما للأطفال مثلا، وعن ما إذا كان ملائما للأطفال ولكن في صحبة البالغين كي يشرحوا لهم ما يرونه أو يتساءلون عنه. نعم. فهم  يعتبرون الأطفال فقط من يمكن أن يُحجب عنهم محتوى- ولا يمنعونه حتى- بل ينصحون بذلك أو بوجود الأهل. وعادة يتم عرض هذه المواد في وقت متأخر.

  أما مسألة منع محتوى وحذفه للبالغين فهو أمر لم يخطر ببال كل المشرعين والمشرعات في كثير من دول العالم – واعفوني من ذكر مصطلح دول العالم “المتقدمة” لقناعات مابعد كولونيالية ليس هنا المجال لذكرها.

وأعتقد أن هؤلاء المشرعين والمشرعات لو شاهدوا، على سبيل المثال،  فيلم

The Reader (2008)-   القاريء

، والذي فازت بطلته كيت وينسلت بأوسكار بجائزة أفضل ممثلة، كما عرضته إحدى القنوات العربية لأصيبوا بالذهول الشديد، ووقعوا جميعا مغشيا عليهم. الفيلم مدته الأصلية 124 دقيقة، ولا أعتقد أن الفيلم بكل الفقرات الإعلانية التي تخللته انتهى إلى أكثر من 45 دقيقة . والمصيبة أن المشاهد لن يفهم مغزى الفيلم. بل حتى لن يمسك بأطراف خيوط القصة. كشخص عاقل  وراشد و”بالغ” سيشعر أنه أهين في صميم ذكائه و”بلوغه”.

في القنوات العربية يتم حذف المحتوى الجنسي- وفي بعض الأحيان- الشتائم. لكن مشاهد الرعب والقتل ومنها تقطيع الأعضاء البشرية مثلا وغيرها، يتم عرضها كاملة دون  رقابة ولا يحزنون. أي أن مفهوم الرقابة هنا غالبا مرتبط بما يتم إدراكه على أنه عيب أو حرام في السياق المجتمعي.

هناك طرح نظري لباحث يدعى بوتر عام 1988- أي منذ ما يقرب من 25 عاما ولكنه لا يزال يستخدم حتى الآن كجزء من نظرية الغرس الثقافي، وللعلم كنت أمقتها مقتا شديدا أثناء دراستي في كلية الإعلام ، وكنت أرى أن الزمن أكل عليها وشرب. ولكن الدنيا دوّارة فعلا.. تأملوا كيف ذكرني الزمن بها بعد هذا العمر الطويل.

بوتر طرح أن هناك ثلاثة عوامل تتحكم في إدراك المشاهد للواقع.  من ضمنها التوحد، وتعني درجة التشابه بين الشخصيات المقدمة في المحتوى الذي يشاهده، وبين الشخصيات في الحياة الحقيقية، وبالتالي قد يتكون لدى المشاهد إيمان كامل بواقعية هذه الشخصيات، وأنه على سبيل المثال،  ممثل يقوم بدور خيّر في فيلم ما، هو في الحقيقة فعلا شخص طيب وملائكي، أو ممثلة تقوم بدور البطلة الوطنية المغوارة، هي في الحقيقة مثال للنبل والشهامة، أو أن ممثلة تقوم بدور إغراء فهي عاهرة في الحقيقة، وما إلى ذلك.

أزعم أن هذا الأمر موجود في مصر، وليس فقط بين عامة الشعب أمثالي الذين كانوا ينتظرون منذ سنوات ليست بالبعيدة مسلسل الساعة الثامنة مساء على القناة الأولى كل ليلة على أحر من الجمر، بل أيضا بين الساسة والشيوخ ومقدمي البرامج الفضائية مثل صديقنا الشيخ بدر، بل وحتى بعض النقاد الفنيين والممثلين والممثلات- فلا يخفى عليكم طرح الألفية المتمثل في مصطلح السينما النظيفة. ( فقط الآن خطر على بالي، هل هذا المصطلح تحديدا نوع من أنواع التصنيفات البدائية؟! هل كان يدرك مستخدميه مفهوم تصنيفات المحتوى؟  -ضحكة خبيثة).

تم توجيه النقد الشديد لنظرية الغرس الثقافي بسبب التعميم الذي ورد فيها وعدم الإهتمام بالعوامل الوسيطة، وفي دراسات حديثة منها تم إضافة بعض تلك العوامل، مثل التجربة الشخصية للمشاهد وخبراته والمجتمع الذي يعيش فيه. فمثلا هناك ما يدعى بعامل التضخيم، ويعني أنه مثلا، المشاهد الذي تعرض لخبرات عنيفة في حياته، أو يعيش في مجتمع يتصف بالعنف، ستكون قابليته للتأثر بالمحتوى العنيف أكثر، وإيمانه بمدى عنف الشخصيات في الحقيقة أكثر. على عكس شخص آخر ليست له نفس الخبرات.

مثال آخر. المشاهد الذي يشاهد محتوى جنسي معين، وفي نفس الوقت تشغل الأمور الجنسية جانبا كبيرا من تفكيره، ويعيش في مجتمع مغلق، تشغل الأمور الجنسية جزءا كبيرا من منظومة العادات والتقاليد فيه، سيتأثر به أكثر وقد يتكون لديه إيمان أكثر بواقعية الشخصيات التي يشاهدها، مدى عهرها، إلخ، على عكس شخص آخر له خبرات مختلفة ويعيش في مجتمع مفتوح.

بس خلاص.

Get Your Hands Off Women

Get your hands off women[i]

When the sparks of the Egyptian Revolution started to fly, friends of mine abroad interested in human rights and justice started to express their concerns openly about where the situation in Egypt was taking us. In the wake of most revolutions in the modern world, women have always ended up getting the short end of the stick. It is as though revolutions are historical records of chauvinist tales brimming with heroic feats that men alone have accomplished. Eventually, the moment of truth comes when those men gather together. Barring women from their closed council, they issue orders from on high and decide what rights women may or may not receive.

My Egyptian female friends and I disregarded their worrisome comments. After all, we were down in the streets and the squares. We never felt, not even for a second, a difference between our role as female revolutionaries and that of our male counterparts: the mission was one, the way was one, and the goal was one.

Our friends abroad were right, though not because the Revolution itself had taken power and discriminated women; rather because the elements that ended up taking power after the Revolution are two of the most powerful types of Fascism the world has known: military fascism and religious fascism. Sadly, the Revolution did not govern; those who know nothing about the Revolution’s principles have taken power. In the simplest terms, what ended up happening was a re-birth of the old regime. The military (the Supreme Council of the Armed Forces, SCAF) took control the day Mubarak resigned. Thereafter, the first signs of discrimination started to appear. The first hint of things to come is enshrined in the constitutional amendments proposed concerning the Article stipulating the conditions for presidential elections of the Egyptian Republic. Initially, the bill clearly indicated that men alone would be able to run. Although it was later modified, it still reflected public opinion on the role of women in public affairs in the ‘New Egypt’. Following this disconcerting pattern, the case of forced virginity tests of female protestors happened, what might as well be called misogynist inquisition-like trials. In effect, this event confirmed the historical, chauvinist conception of women: women are only bodies, whose honor – as far as society is concerned – is predicated on their reproductive organs; from these several centimeters of flesh they can be either pardoned or condemned to death.

Elections came as a definitive alternative to revolutionaries’ incapacity to organize themselves and present a strong alternative for the military in running the transitional period. Most groups within the revolutionary vanguard refused to participate in parliamentary elections and those from the revolutionary front that did participate are out of question in terms of their patriotism and belief in the revolution principles, the most important of which being the equality for all Egyptians before the law.

Be that as it may, life is not a bowl of cherries. The Revolution failed to get enough votes and the revolutionaries remain under-represented in the People’s Assembly. The Islamists won the majority. Remaining parliamentary seats won by non-Islamists do not necessarily represent revolutionary opinion. If one follows the current course of affairs, it is obvious that the principles called for and carried by the revolution are and will be absent from most debates, decisions, and laws passed in Egypt’s Parliament.

The First Signs Appear

                                                    

Take, for example, Muhammad Umda, a respectable Member of Parliament (MP) in the People’s Assembly. Umda is not affiliated with the Islamists, which is quite surprising, as we shall see. A former member of the Wafd Party, Umda ran for Parliament as an independent. Yet it is Mr. Umda who spoke in Parliament, not only in the name of his constituents – both men and women – from Aswan, but also in the name of the Egyptian people and demanded the repeal of Article 20. Known as the Article of al-khul’, the right of a woman to seek divorce according to Islamic law, Article 20 (Law no. 1, year 2000) pertains to the some of the judicial conditions and litigatory proceedings in personal affairs (i.e. family court).

According to a report published in the paper Shorouk dated Saturday, March 17, Umda declared that Article 20, “allows women to end their marital lives independently, without oversight or the slightest consideration for the rights of family and society.” In fact, when I read this sentence I broke out in hysterical laughter, a hardy guffaw for the sake of Schadenfreude.

Up until 2000, the husband was the only partner with the right “to end his marital life independently, without oversight or the slightest consideration of the rights of family and society.” All he had to do is say three simple words: I divorce you. That is it. Just these three magical words anytime, anywhere, for whatever reason he deemed fit. Yet no one asked themselves over the decades why husbands alone should enjoyed this right. Egyptian women, themselves packed like sardines into the hallways and corridors of family courts, did not demand for their rights; Egyptian mothers did not even appeal for the rights of their children who are taken away from them by court order.

For women seeking divorce, the average length of divorce proceedings lasts between 3-8 years. It is quite difficult for a woman seeking a divorce to prove that her husband has mistreated her. After all, most abuse occurs behind closed doors. Therefore, there is seldom any witness of the purported abuse to justify a wife’s application for divorce. Article 20 – the Article al-khul’ – was passed as a means by which wives could free themselves of this endless oppression.

The mere proposition of Umda’s bill is tantamount to a serious impairment of women’s rights as citizens in Egypt. It is an attempt to deal with women as though they were second-class citizens. In an addendum to Umda’s statements printed in Shorouk, Umda is quoted as saying: “What if a wife actually applies for divorce (khul’) on the grounds that she is no longer in love and afraid of God’s divine punishment, but that in fact all she wants is to be rid of her husband just because he refuses to let her travel abroad.” The question here is: Why does the law allow a husband to have control over his wife to this degree? Isn’t marriage in its most basic understanding an equal partnership, wherein both spouses look out for each other, a relationship based on compromise, as well as care for each other’s benefit? Or has it devolved into a contract for buying a slave-girl, whose master controls her and forces her to stay with him against her will? When a husband resorts to courts to ban his wife from travelling, or forces her to do something, or invokes his right as her guardian, in that moment the notion of a mutual partnership and compromise dissipates. Life thereafter becomes impossible. The most appropriate solution is for them both to separate honorably.

In another statement, Umda is quoted as having said the following: “What if a wife decided to leave her husband and kids to run off with a rich man who has seduced her?” Here, I stop at the word “seduce”. This is the same stone-age mentality that looks at women as creatures in need of being placed under the custodianship or watchful eye of some man even after she has reached the age of maturity.  According to this logic, the custodianship of a woman is transferred from the family to the husband precisely because she is a naïve creature, incapable of understanding what is good for her welfare. The logical conclusion to this argument is that she needs someone to make decisions for her. But even an unscrupulous person could easily sell her to a rich man.

Simply put, if the wife resolves to end the marriage for whatever reason she deems fit, and decides that life is no longer tolerable with her husband, the husband can still rely on the law to force her to stay in this unbearable situation. This state of affairs is paramount to the decline of individual honor and the rise of a husband’s authoritarian power. Sadly, this situation is in fact enshrined in Egypt’s legal code. According to Egyptian law, a husband has the right to marry more than once and end a marriage whenever he pleases.

Perhaps we can excuse Umda for his position. After all, based on his statements it seems that he bought a wife according to a marriage contract and, by extension, anything bought can easily be re-bought or sold! But the situation itself is still incredible. Umda, as he stood on the floor of the People’s Assembly and made his statements, effectively flirted with the Islamist Parliamentarians. In 2012, well after Egypt’s dignified Revolution had run its course, Umda argued that men should have custodianship over women. This is not surprising in light of additional information, however.  For example, in other news it is reported that MP Umda is trying to gather enough signatures from his fellows MPs to run for President of the Republic; Umda has thanked the leaders of the Salafist Nour Party for giving their members the unfettered freedom to chose whom they want for President.

The dawn of the ‘modern state’ ushered in the legal state, the latter being a governmental system that treats its citizens – both male and female – equally. No one is to have custodianship over anyone else who has reached the legally recognized adult age. Under such a state, different levels whereby one can or cannot receive his/her full rights should not exist. Unfortunately, most people reject, if not outright seek to avoid, attempts to build such a state in Egypt after our honorable Revolution. These people want to send Egypt back into the Dark Ages, without a chance of return.


[i] I wrote this article in Arabic – posted on Shorouknews.com . It was translated to English by Scott Chahanovich, a freelance translator and cultural journalist – posted on WeSpeakNews.com

ارفعوا أياديكم عن النساء

إرفعوا أياديكم عن النساء[i]

عندما انطلقت شرارة الثورة في مصر  أخذ أصدقائي و صديقاتي من المهتمين والمهتمات بحقوق الإنسان والعدالة بشكل عام في الخارج يعربون صراحة عن قلقهم مما ستنتهي إليه الأمور، ومن أنه في معظم الثورات في العالم الحديث كانت النساء دوما في الجانب الخاسر، وتمر الثورة في التاريخ كسرد ذكوري وعمل بطولي قام به الرجال وحدهم، وتأتي تلك اللحظة الحتمية التي يجلسون فيها يتمنعون، يتعالون، ويقررون أي الحقوق التي يمكن أن تحصل عليها النساء وأيها لا. كنت ورفيقاتي المصريات نتغاضى عن تعليقاتهم القلقة، كنا جميعا مندمجات في زخم الشوارع والميادين، أبدا لم نشعر ولو للحظة باختلاف الأدوار بيننا كثائرات وبين إخواننا الثوار، الهم واحد، الوسيلة واحدة والهدف واحد.

كان الأصدقاء والصديقات في الخارج على حق، ولكن ليس لأن الثورة نفسها تولت الحكم وقامت بالتمييز ضد النساء. بل لأن من حكم بعد الثورة نوعان من أقوى أنواع الفاشية التي عرفها العالم: الفاشية العسكرية والدينية. لم تحكم الثورة وحكم من لا يدرون شيئا عن مبادئها، وبالتالي فإن ما يحدث وببساطة هو إعادة إنتاج للنظام القديم. تولى العسكر الحكم يوم رحيل المخلوع، وظهرت بوادر التمييز في النص الأوّلي المقترح للمادة المتعلقة بشروط الترشح لرئاسة الجمهورية، حيث جاء دالا على أن الرجال وحدهم قادرين على الترشح، ورغم إصلاحها لاحقا إلا أنها عكست المزاج العام المسيطر تجاه دور المرأة في المجال العام في مصر الجديدة. ثم  وقعت فضيحة كشوف العذرية، وهي ما يمكن تسميتها بمحاكم التفتيش الذكورية، في محاولة لترسيخ الصورة التاريخية لقهر النساء: النساء ما هن إلا أجساد، وكرامتهن في المجتمع مستمدة من بضعة سنتيمترات في أعضائهن التناسلية، بعدها تصدر لهن صكوك الغفران أو قرارات الحكم بالإعدام.

وجاءت الإنتخابات كبديل حتمي لعدم قدرة الثوار على تنظيم أنفسهم وتقديم بديل قوي يقف في مواجهة العسكرلإدارة المرحلة الإنتقالية، ورفضت المشاركة فيها أغلب فئات الطليعة الثورية، ومن شارك فيها من الجبهة الثورية غير مشكوك في وطنيتهم وإيمانهم بمباديء الثورة وأهمها المساواة أمام القانون لكل فئات المصريين. ولكن للأسف، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ولم تحظى الثورة بتمثيل قوي في مجلس الشعب، وجاءت الأغلبية من الإسلاميين، والأغلبية من غير الإسلاميين التي نجحت في الوصول لمقاعد البرلمان لا تمثل بالضرورة وجهة النظر الثورية. وبالتالي المنطق يقول ان الإتجاه الغالب للنقاشات التي تجري فيه والقرارات والقوانين التي تصدر وستصدر عنه ستغيب عنها مباديء نادت بها الثورة.

وظهرت البوادر.

 وقف النائب المحترم محمد العمدة عضو مجلس الشعب والذي لا ينتمي -وياللمفاجأة- للتيار الإسلامي، حيث كان عضوا في الوفد ولكنه فضل الترشح مستقلا، وقف في ساحة المجلس، يتحدث باسم الشعب- وليس فقط باسم ناخبي دائرته في أسوان والذين اصطفوا لإنتخابه رجالا ونساء على السواء- ليطالب بإلغاء المادة 20، المعروفة باسم مادة الخلع، من القانون رقم 1 لسنة 2000 الخاص بتنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية.

جاء على لسان العمدة حسب جريدة الشروق يوم السبت 17 مارس ، أن مادة الخلع “تمكن المرأة من التخلص من الحياة الزوجية بإرادة منفردة دون رقيب ودون أدنى اعتبار لحقوق الأسرة والمجتمع“، وفي حقيقة الأمرأصابتني هذه الجملة تحديدا بهيستيريا من الضحك، على أساس أن شر البلية ما يضحك، فعلى مدار السنوات قبل سنة 2000 ، كان الزوج هو الوحيد الذي له حق “التخلص من الحياة الزوجية بإرادة منفردة دون رقيب ودون أدنى اعتبار لحقوق الأسرة والمجتمع” عن طريق كلمتين فقط “أنت طالق”، ينطق بهما متى يشاء وأين يشاء ولأي سبب يريده.  ولم يتساءل أحد طيلة هذه العقود عن سبب تمتع الأزواج وحدهم بهذا الحق، ولا حتى النساء أنفسهن الذين تغص بهن صالات وأروقة محاكم الأسرة في محاولة للحصول على حقوقهن وفي كثير من الأحيان حقوق أبنائهن المسلوبة. كان متوسط الزمن الذي تستغرقه قضايا الطلاق في المحاكم من 3- 8 سنوات مع صعوبة كبيرة في إثبات الأضرار التي وقعت على الزوجة من الزوج ودعتها لطلب الطلاق، حيث أن أغلب الإعتداءات تحدث داخل جدران المنزل المغلقة حيث لا سميع ولا رقيب في أغلب الأحيان يشهد مع الزوجة. وجاءت مادة الخلع بمثابة طريق الخلاص من كل القهر المستدام.
إن مجرد اقتراح هذا القانون هو انتقاص خطير للغاية من مواطنة النساء في مصر، ومحاولة للتعامل معهن وكأنهن مواطنات درجة ثانية. في جزء لاحق من تصريحات العمدة التي أوردتها الشروق : ” ماذا لو أن زوجة رفعت دعوى خلع بحجة أنها كارهة وتخشى عدم إقامة حدود الله وهى فى الحقيقة تريد أن تتخلص من زوجها لأنه يرفض السماح لها بالسفر إلى الخارج” ، والسؤال هنا، ولماذا يسمح القانون أصلا للزوج بالتحكم في الزوجة لهذه الدرجة؟ أليس الزواج في فكرته الأساسية هو شراكة متبادلة بين الزوجين يعينان بعضهما على الحياة بالمعروف والتراضي؟ أم أنه تحول إلى عقد شراء جارية يتحكم فيها سيدها ويلزمها بالبقاء معه رغما عن إرادتها؟ في اللحظة التي يلجأ الزوج إلى القانون ليمنع زوجته من السفر أو ليمارس عليها أي نوع من أنواع الإجبار والوصاية تنتفي صفة الشراكة والتراضي وتصبح الحياة مستحيلة، والأولى بهما أن ينفصلا بكرامة.

يقول العمدة: “ماذا لو أن زوجه قررت أن تضرب عرض الحائط بزوجها وأولادها لأن رجلا ثريا غرر بها”!!! وأتوقف هنا كثيرا عند كلمة “غرر”. نفس العقلية الحجرية التي تنظر للمرأة باعتبارها كائنا يحتاج إلى وصاية ورقابة دائمة حتى بعد بلوغها سن الرشد، فتنتقل الوصاية إلى الزوج بعد الأهل، باعتبارها كائنا غريرا لا يفقه أين مصلحته ويحتاج لمن يقررها عنه، بل في حقيقة الأمر كائن معدوم الضمير يسهل شرائه بأموال رجل ثري. ببساطة إذا قررت الزوجة إنهاء الزواج لأي سبب تراه، وقررت استحالة العشرة مع الزوج، فإن لجوئه للقانون لإجبارها على ذلك هو أكبر مثال لإنحطاط الكرامة ونمو النزعة السادية لدى الزوج. الزوج الذي لديه الحق- طبقا للقانون المصري- في أن يتزوج أكثر من مرة، وأن ينهي الزواج متى يريد.

 ربما يعذر العمدة في ذلك فبناء على كلامه فهو قد اشترى زوجة بموجب عقد زواج وبالتالي الشيء المشترى يمكن إعادة شرائه وبيعه!-  ياللمأساة! يقف العمدة في ساحة مجلس الشعب يغازل الإسلاميين من ممثلي الشعب بخطابه- ليعلن وصاية الرجال على النساء عام 2012، بعد ثورة عزة وكرامة. ولا عجب. ففي خبر آخر نجد سيادة النائب يحاول جمع توقيعات من زملائه لمساندة ترشيحه لرئاسة الجمهورية، ويوجه الشكر لقيادات حزب النور السلفي لإعطاء أعضائه حرية مناصرة من يريدون في انتخابات الرئاسة.

 برغم نشوء الدولة الحديثة، دولة القانون والتي تتعامل مع المواطنين والمواطنات جميعا داخل الدولة على قدم المساواة دون أن يكون لأحد وصاية على أحد ودون أن يكون هناك درجات لمن يمكنه أن يحصل على كافة حقوقه وأيها يحصل على بعض تلك الحقوق وأيها لا يحصل إلا على الفتات، يأبى الكثيرين إلا أن يتملصوا منها ومن محاولات بنائها في مصر بعد ثورة عزة وكرامة، ويعيدونا إلى عصور ظلامية ذهبت دون رجعة.

الجسد والثورة

عزيزتي المواطنة: هل تؤهلك نوعية ملابسك للإشتراك في المظاهرات؟

هل يؤهلك نوع ولون مشد صدرك لللإشتراك في المظاهرات؟

وأخيرا: هل يؤهلك حجم صدرك للإشتراك في المظاهرات؟


انتابتني الظنون والوساوس بعد مشهد سحل المتظاهرة التي كانت ترتدي عباءة سوداء، بعد أن قام الجنود بتعريتها من ملابسها وسحلها على الأرض وضربها بالأحذية على صدرها العاري- إلا من مشد صدر أزرق ، لا أدري كيف نفذ من بين أيديهم فلم يقوموا بخلعه هو الآخر ما خلعوه من ملابسها. خاصة بعدما نالته تلك الفتاة من اتهامات لها برداءة الذوق لأن لون مشد الصدر كان أزرقا فاقعا، كما أنه كان من نوعية مشدات الصدر التي- على ما يبدو- لا تلاقي قبولا مجتمعيا، يطلقون عليها ” أم كباسين”.

ولم أكن أعلم قبل ذلك اليوم أن نوع ولون مشد الصدر هو أمر يجب أن يحصل على التوافق المجتمعي، أو أن هنا معايير لونية أو نوعية معينة للمشدات، فمنها تعرف المتظاهرة الحقيقية.

سأضطر- آسفة- إلى التطرق إلى أصل الأشياء، فما بالنسبة لي واضحا وضوح الشمس ولا يحتاج شرحا وتفصيلا، اكتشفت أنه ليس بذلك الوضوح للعديدين. لماذا ترتدي الإناث مشدات صدر؟ والإجابة هي أن الشيء لزوم الشيء، أحيانا إذا كان الصدر كبيرا فهو يعيق الحركة، وارتأت النساء عبر التاريخ أن مشدات الصدر هي الحل الأمثل. فهي ليست أداة للإغراء. فقط وببساطة: الشيء لزوم الشيء.

وبالتالي فإنه في حالة أن الصدر ليس كبيرا، ولا يعيق الحركة، فإنه لا داعي لمشدات الصدر.  بل ستكون في هذه الحالة شيء مالوش لازمة، حيث إن نظرية الشيء لزوم الشيء لا تتحقق في هذه الحالة.

بل إن هناك من تتحقق لديهن تلك النظرية- الشيء لزوم الشيء- ولكنهن لا يفضلن ارتداء مشدات الصدر لتفضيلات شخصية-  منها مثلا أنهن من ذوات الحركة القليلة الرزينة، وبالتالي لا تتم إعاقة حركتهن بأي شكل من الأشكال، أو لأي سبب آخر، في النهاية هناك نظرية أخرى أقوى وأكبر تأثيرا اسمها: هم أحرار يعني.

المهم. في الحقيقة فإني لم أكف عن تخيل فتاة لا ترتدي مشد صدر مكان الفتاة المسحولة في التحرير، ففي حالة تمت تعريتها كما حدث معها، لن يوجد مشد صدر أزرقا أو أي لون، “بكباسين” أو بدون.  وأكاد أتخيل ردود فعل المصريين الشرفاء، من محبي الكنب (جمع كنبة)  بكل أنواعه وألوانه وأشكاله.  فهذه المرة لن تكون مادة الحديث لون ونوع مشد الصدر، بل حجم الصدر نفسه، وطبعا، الحديث عن تلك المتظاهرة “عديمة الرباية” التي ترتدي الملابس على اللحم ثم تنزل للتظاهر. إلخ. ويحضرني في ذلك، المشهد من فيلم أمريكا شيكا بيكا، والذي يقوم فيه أحد أبطال الفيلم بمراسلة زوجته في مصر، ممتدحا السيدات المصريات وعفتهن، حيث أن الرومانيات لا يلبسن مشدات صدر، بل يلبسن الملابس على اللحم. – طبعا في نهاية الفيلم  يقوم بخيانة زوجته، ويمارس الجنس مع فتاة رومانية تعرض جسدها مقابل المال. أي أن الجسد الذي كان ناقما عليه وينتقده هو الجسد نفسه الذي كان يريده بكل الطرق لإطفاء رغباته.

الأمر الذي يمكن أن نطبقه حرفيا – كما قالت صديقة عزيزة– على الشعب الذي يؤدي الصلاة في مواعيدها، ويصوم رمضان، وينتخب التيار الإسلامي لمجلس الشعب، ثم يقوم بالتحرش بالنساء، بل ويلومهن على ذلك.

بعد تلك الحادثة بأسابيع قليلة، ويوم الذكرى الأولى للخامس والعشرين من يناير، فوجئت باتصال تليفوني من صديقة لي تستنجد بي من قلب ميدان التحرير.

أحاط بها الأوغاد من كل حدب وصوب، مجموعة من 50 شخصا على الأقل، أي 100 يد على الأقل تحاول الوصول إلى كل مكان في جسدها. وفي الحقيقة أياد كثيرة جدا استطاعت، لدرجة أن آثار أصابع بشرية لازالت موجودة حتى اليوم في جسدها. في الحقيقة لم يكن أول سؤال يخطر على بالي أن أسأله لصديقتي، ما الذي كانت ترتديه خارجيا فضلا عن ما ترتديه داخليا، وإن كانت ترتدي مشد صدر أم لا، رغم أني متأكدة أن الكثيرين سيكون هذا هو أول سؤال في بالهم. فعبر التاريخ، دائما تلام النساء.

 بعد إنقاذها وخروجها من ميدان التحرير بمعجزة، وبعد وصفها لما حدث، فإنه من الواضح في تلك الليلة لم يجد مشد الصدر نفعا لصديقتي، ولا حتى أطنان الملابس الشتوية التي كانت ترتديها. روت لي صديقتي تفاصيل تقشعر لها الأبدان مما فعلته بها الأيدي الحقيرة. نحن لن نتحدث عن تحرش جنسي عادي،فأقل ما الذي يمكن أن نطلقه عليه هو اعتداء جنسي. من الواضح أنه لم يكن سيحدث فارقا مع المعتدين الأوغاد نوع وشكل وحجم الملابس.

منذ سنوات عديدة عندما كنت أتطوع – وياللمفارقة- مع صديقتي التي تعرضت للإعتداء في التحرير أيضا- في حملة شارع آمن للجميع التابعة  لإحدى المراكز الحقوقية، كنا نقاوم ظاهرة التحرش التي كانت جديدة نسبيا وقتها، كان ألف باء النقاش حول الموضوع هو أن ما ترتديه النساء ليس عاملا على الإطلاق أو سبب من الأسباب التي تؤدي للتحرش. في الدراسة التي أجراها المركز أثبت بالدليل القاطع تعرض المحجبات وغير المحجبات والمنقبات، المصريات والأجنبيات- باختصار كل الإناث-  للتحرش.

المشكلة هي في الحقيقة- أن تمتلك جسد أنثى. المشكلة هي في فكرة الإستباحة بشكل عام لهذا النوع الإنساني من الأجساد. المشكلة في اعتبار كل ما يتصل بهذا الجسد عيبا وعارا وعورة وخطيئة يجب تغطيتها بمعايير ومقاييس معينة، حتى وصلت للملابس الداخلية.

كان تفسيري البسيط للموضوع وقتها والذي لا يزال يصلح حتى الآن، هو أنهم يحاولون دفع النساء دفعا للإختفاء من المجال العام، وبعد أن ارتضت النساء من يقوم بتغطيتهن باعتبارهن عورة، كان ذلك هو أمرا منطقيا للحدوث. ليس من المفترض أن تتعامل النساء مع أنفسهن باعتبارهن عورة تستوجب الغطاء، ونطلب من المجتمع التعامل بغير ذلك. وانسحب مفهوم المرأة عورة على جميع الإناث، أيا كان شكل الملابس التي اختارتها لنفسها، واصبحت النقاشات المجتمعية عن طول ونوع وشكل ملابس النساء أمرا عاديا،مستباحا. وهذا هو أصل الداء.

وفي الحقيقة أنه قبل النقاش المجتمعي “المحترم” عن نوع ولون المشدات- لم يخطر في بالي أبدا أن هناك ما يسمى بصلاحية المشاركة في المظاهرات. وإذا عملنا بنظرية الشيء لزوم الشيء، فمعنى ذلك أن المتظاهرات اللاتي لا يحتجن لإرتداء مشدات صدر، أوهؤلاء ممن لا يفضلن ارتدائها- أو من لديهن ذوقا لا يعجب “المجتمع” ويفضلن ارتداء مشدات صدر “بكباسين” لونها أزرق فاتح، لا يجب أن يشاركن في المظاهرات، للمطالبة بالحرية لبلدهن والعدل لشهدائهن. نفس الحجج التي يسوقها “المجتمع” عن أسباب التحرش الجنسي في كل مكان، فبالنسبة للبعض، هناك ما يسمى بصلاحية السير في الشوارع والمشاركة في المجال العام.  لقد غضضنا البصر أولا عن دعاوي تشييء المرأة واختصارها في جسدها، وهذا هو ما انتهينا إليه.

واستكمالا للعبثية، وسيرا في نفس الطريق الذي يتجه إليه “المجتمع”،  وفي ظل حالة الحوار المجتمعي “الغنية” عن موضوع ما ترتديه النساء خارجيا أو داخليا، باعتبارهن ألعوبة جنسية بحتة تسير على قدمين أينما ذهبن، حتى إذا ذهبن إلى ميادين التحرير،  أطالب بمد الحوار ليكون أكثر إيجابية، لنخرج بنتائج ملموسة، فلقد هرمنا، وضاع العمر يا ولدي، ولا نريد أن نضيع وقتا أكثر من ذلك، فأمامنا مهاما ثورية لم تستكمل، وفوق رؤوسنا سلطة عسكرية تحكمنا بالحديد والنار وتقتلنا بدم بارد في الشوارع ليل نهار، وتحوطنا من كل جانب صور الشهداء وصرخات الأهالي المكلومين.  أطالب بوضع معايير للمواطنة “الملتزمة”، “الصالحة” بما لا يدع مجالا للشك في نواياها، ويؤهلها للنزول في التظاهرات المختلفة – وأصلا للنزول إلى الشارع من الأساس- رغم أنها كانت هناك منذ اليوم الأول، ولم ولن تترك الشارع في انتظار تنظيراتكم.

ملحوظة: بعد فترة طويلة من كتابة هذه التدوينة اكتشفت أن الأكثر منطقية هي أن كون العباءة نفسها هي اللي بكباسين، وليس مشد الصدر! وهذا معناه أن الحديث عن مشد الصدر ولونه كان حديث الأحاديث، ولكنه لم يكن الوحيد، فقد تطرق إلى العباءة ومن يدري ماذا أيضا!

Blog at WordPress.com.

Up ↑